فخر الدين الرازي
99
تفسير الرازي
خسيساً فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفاً . الثالث : لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة . الرابع : أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء ، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه ، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية ، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : * ( اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم ) * كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء ، لا يقال : إنهم لما أبوا شيئاً اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال : * ( ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ) * ( الشورى : 20 ) لأنا نقول هذا خلاف الظاهر ، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه . الأول : أن قولهم : * ( لن نصبر على طعام واحد ) * دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية ، الثاني : أن قول موسى عليه السلام : * ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) * استفهام على سبيل الإنكار ، وذلك يدل على كونه معصية . الثالث : أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه ، والجواب عن الأول : أنه ليس تحت قولهم : * ( لن نصبر على طعام واحد ) * دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط ، بل اشتهوا شيئاً آخر ، ولأن قولهم : * ( لن نصبر ) * إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع ، وعن الثاني : أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة ، وعن الثالث : بقريب من ذلك ، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضراً متيقناً ومن حيث إنه يحصل عفواً بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر ، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد ، فلا يمتنع أن يكون مراده : * ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) * هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالاً مباحاً ، وإذا كان كذلك فقوله تعالى : * ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ) * ، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى : * ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ) * فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( لن نصبر على طعام واحد ) * ليس المراد أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه . المسألة الثالثة : القراءة المعروفة : * ( وقثائها ) * بكسر القاف ، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة : * ( وفومها ) * بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة